كانت ولا تزال فكرة الإيمان باللباس الإلهي للبشر فكرةً مستعصيةً على الكثير من الناس، فكيف يمكن أن تمتزج العناصرُ البشرية بالإلهية؟ أَيكون نطقُ البشرِ معبراً عن إرادة الخالق؟ أو يكون الفعل البشري عاكساً لخُلُقِ الباري؟ وفي المقابل وبنفس المستوى استعصت على كثيرٍ إمكانية أن يكون "الإلهي" متجسّداً بشيءٍ بشري. وقد تمثلت هذه المشكلة بل وانحرصت في مفهوم النبوة والإمامة؛ فطُلِبَ من النبي
أن يفجّر الأرض ينبوعاً، أو ينزل من السماء ماءً، أو تكون له جنة، وفي المقابل سئل النبي
أن يحابي، ويجامل، ويَضْعُفَ. فمنذ القِدَم والبشرية بين موقفين متطرفين.
وقد انعكست هذه المسألة على القضية الحسينية؛ فعلى المستوى التاريخي لم يصدق بعضُ من تواتر إلى مسامعهم حدَثَ شهادة الإمام الحسين
، فكيف يقتل ابن بنت نبي آخر الزمان بتلكم الصورة وهو بعين الله -تبارك وتعالى- ينظر إليه ويرعاه؟ فما كان من موقفهم إلا القول بـ"الغيبة" أو الكفر. وفي المقابل نظر البعض إلى الحسين
ضمن معادلة المجتمع القَبلي والوضع السياسي آنذاك، وما كان من موقفهم إلا اعتبار خروجه طلباً للسلطان وطمعاً في حطام.
أما على المستوى الفكري، والذي يمتد إلى اليوم، فالبعض لا يرى في المسيرة الحسينية إلا أنها فعلٌ إلهيٌ محضٌ يتجاوز الزمان والمكان وما يحملانه من عوامل ومؤثرات، بل هي -حسب هؤلاء- تقدير قدّره الباري قبل خلق الأكوان، وشخص الحسين
طينةٌ عُجنت بيد الخالق -جل وعلا- فلا تتأثر بضغوط الحياة. في المقابل نظر البعضُ لمحلمة الطف على أنها مجرد حركة إصلاح قام بها أحدُ المصلحين -على أحسن التقادير- ضمن ظروف تاريخية إجتماعية سياسية، ولا دخل -حسب هؤلاء- للباري -جلت قدرته- في تقديرها.
وكلا الرأيين في صورتهما المتطرفة جانبا الصواب في قراءتها للثورة الحسينية، ومثّلا في الوقت نفسه المشكلة الأساسية في استيعاب فكرة النبوة والإمامة. فالطرف الأول جرّد الحسين
من أن يكون قدوة للبشرية، إذ كيف يمكن الاقتداء بمن هو فوق الزمان والمكان؟ في حين أن الطرف الثاني جرده
من الخلود والأحقية وأن يكون فعلُ الله -سبحانه وتعالى-.
وقد واجه الحسين
في مسيرته بخطبه وكلماته كلا الإتجاهين، كما واجه القرآن الكريم -دفاعاً عن النبوة- كلا الرأيين بآيات واضحة، فآيات الذكر تنادي بلسان النبي
(قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلاَّ بَشَراً رَسُولاً)، فالنبي
بشرٌ وفي ذات الوقت رسولٌ من الله -عز وجل- (وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى، إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحى)، وكذلك الحسين (عليه السلام) خيرة الله وثاره، ووارث الأنبياء، وفي الوقت نفسه إمام الإصلاح في أمة جدِّهِ.
هذه النظرة المتوازنة للقضية الحسين
تجعلها قضية حيّة معاصرة لنا، نكشف من خلالها مشاكل واقعنا وفي الوقت نفسه نتسامى بها إلى القيم المنشودة، وتمكننا من أن نتلو فقرات الزيارة متمكنين من تطبيقها، قائلين: (لَبَّيْكَ دَاعِيَ اللَّهِ إِنْ كَانَ لَمْ يُجِبْكَ بَدَنِي عِنْدَ اسْتِغَاثَتِكَ وَلِسَانِي عِنْدَ اسْتِنْصَارِكَ فَقَدْ أَجَابَكَ قَلْبِي وَسَمْعِي وَبَصَرِي، سُبْحانَ رَبِّنا إِنْ كانَ وَعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولًا، أَشْهَدُ أَنَّكَ طُهْرٌ طَاهِرٌ مُطَهَّرٌ مِنْ طُهْرٍ طَاهِرٍ مُطَهَّرٍ طَهُرْتَ وَطَهُرَتْ بِكَ الْبِلَادُ وَطَهُرَتْ أَرْضٌ أَنْتَ بِهَا).








