عند قراءة المشهد العام لمجتمعاتنا المعاصرة نلحظ تعدداً في الأزمات بكل أوجهها، فليست الأزمة السياسية مثلاً تتمثل في تسلط الأنظمة الديكتاتورية فحسب أو التعدي على الحريات وكبتها، بل الأزمة تكون أشد وطأة إذا نظرنا لها من جانب آخر لم يكن متوقعاً ألا وهو دفاع المقهورين والمكبوتين عن سلطات الإستبداد، بفعل الثقافة التي تعودوا عليها والتي ترسخت في عقولهم حتى جعلتهم يرون العبودية للمستبدين مفخرة وإنجازاً ووطنية صادقة.
ويمثل هذا المُشْكل نمطاً متطوراً من ترسيخ وتقعيد الأزمات، بحيث لا يمكن الفكاك منها، لأن المجتمع ذاته يدافع عن وجودها وشرعنة بقاءها، وهذا النمط من التفكير يحتاج المثقفون الأحرار لمواجهته عبر أدوات تقرأ النفس البشرية المأزومة بالاقتراب من حقائقها واتجاهاتها وما تحدثه ثقافة الاستبداد من تشويه وإنحراف لمسيرة تكاملها وصلاحها.
ولا يمكننا أن نفهم الاتجاهات الاجتماعية للنفس البشرية المعاصرة إلا من خلال عدة أمور هي:
1- قراءة النص المؤسس للمجتمع وتحليله للنفس العامة للبشر وطرق علاجه لها.
2- الاقتراب من هموم وطموح المجتمع وقراءة عقليته المعاصرة.
3- تحليل السلوكيات العامة التي ترسم صورته ككل.
4- تحليل الثقافة المسيطرة وتفكيك مكوناتها ووضع منهج علمي لتقليل تأثيرها.
5- نشر ثقافة الوحي من خلال مقارنات معرفية بين نمطين من الحياة كريمة ومرتهنة.
من المهم جداً ونحن نقرأ الواقع الثقافي للأمة أن نتعمق في أسلوب الوحي وإرشاداته في تصحيح مسار الأمم والمجتمعات البشرية، ومن خلال الرجوع لسيرة المعصوم في التعامل مع ذات المشكل تاريخياً وإن كان بصورة أقل، إذ أدوات التواصل المعرفي الآن أضحت أكثر قدرة على التأثير والوصول للبشر، يمكننا أن نضع أهم أسس المنهج الذي يكون هدفه تحرير العقل البشري من أصنام ثقافية وسلطوية تتحكم في مسيرة حياته وتشكل عائقاً أمام تطور وتقدم الأمم.
إن مرحلة التأسيس التي قاد مسيرتها رسول الله
تعاملت مع أزمات متشابة لحد ما مع ما نعيشه الآن في حياتنا المعاصرة، فإذا كان العرب يعبدون أصناماً صنعتها أيديهم، فإن مجتمعاتنا المعاصرة يعبدون أصناماً بشرية صنعوها هم من خلال الخضوع والطاعة العمياء للكبراء والساسة والمتسلطين على رقاب الأمة، وكما أُشرب العرب الجاهليون حب أصنامهم الحجرية، فكذا العرب المعاصرون وقعوا في ذات المشكل وأصبح للساسة والمتسلطين ذاتاً لا يمكن المساس بها أو التعرض لنقدها، بل أصبح تقديسها وحبها يمثل عمق الوطنية والولاء للوطن.
والآيات القرآنية التالية تستعرض هذه الإشكالية التي وقع فيها المجتمع الجاهلي الذي كان يرى أن الأصنام الحجرية التي صنعوها بأيديهم أكثر أهمية وقداسة من المصلحين من الأنبياء والأوصياء، وهي مقارنة تبين مدى إرتهان عقلية ذلك المجتمع للكبراء والمتنفذين من الساسة والزعامات القبلية، وهو ذات المشكل المعاصر الذي يجعل السلطان وأصحاب النفوذ المادي والمعنوي أصناماً تطاع وتقدس ويكون طاعتها دليلاً على الولاء للأوطان، وينظر للإتجاه الإصلاحي ورموزه داخل المجتمع على أنهم ثلة خرجت على السلطات ويوصمون بالعمالة واللاوطنية وغير ذلك.
قال تعالى في محكم كتابه الكريم:
﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ (57) وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ(58) إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ (59) وَلَوْ نَشَاء لَجَعَلْنَا مِنكُم مَّلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ (60) وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِّلسَّاعَةِ فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِ هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ (61) وَلَا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطَانُ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ (62) وَلَمَّا جَاء عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُم بِالْحِكْمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُم بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (63) إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ (64) ﴾.
وعندما نراجع سبب نزول هذه الآيات التي ناقشت ذات المشكل عند بني إسرائيل، نلحظ تكرراً له في أمتنا وكيف أن العرب ألفوا تقديس تلك الأصنام والكبراء فأصبحوا يمثلون ركائز الجمود والتخلف وعائقاً أمام تطور وتقدم المجتمعات وتسلم القيادات الربانية مقاليد توجيه المجتمع وإصلاحه.
وقد ورد عن أهل البيت عليهم السلام في سبب نزول هذه الآيات ما روى عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب
أنه قال: جئت إلى رسول الله
يوما فوجدته في ملا من قريش فنظر إلي ثم قال: يا علي، إنما مثلك في هذه الأمة مثل عيسى بن مريم أحبه قوم فأفرطوا في حبه فهلكوا، وأبغضه قوم فأفرطوا في بغضه فهلكوا، واقتصد فيه قوم فنجوا.
فعظم ذلك عليهم فضحكوا وقالوا: يشبهه بالأنبياء والرسل، فنزلت الآية.
ومن الواضح أن الرواية غير متعرضة لتوجيه قولهم: (أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ) ولئن كانت القصة سببا للنزول فمعنى الجملة : لئن نتبع ءآلهتنا ونطيع كبراءنا خير من أن نتولى عليا فيتحكم علينا أو خير من أن نتبع محمدا فيحكم علينا ابن عمه.[1]
إن منهج الوحي في تحليل وتفكيك الأزمات التي تعانيها المجتمعات يركز على دور العقل وعلى ربطها بنتائج مستقبلية يدعوا المجتمع إلى استشرافها واختيار أفضلها من خلال قبول أو رفض دعوة الأنبياء وأوصيائهم.








